الوظائف الإيمانية للفن
بقلم: الفنان عثمان ح
مهما اختلفت التعبيرات الفنية من غناء ومسرح و تشكيل وشعر .. ، ومهما تفنن المبدع في صياغة فكرته واجتهد في تجميلها وتزيينها بما توفره إمكانيات ملكاته وفنه فإن إنتاجه الفني يبقى مبتورا إن لم يتبنى مشروعا فنيا شموليا,يستحضر فيه التصور المنهاجي السليم للعمل الفني.
إن السنوات التي خلت من عملنا الفني خلفت تجربة وخبرة متميزة وكافية لنقف وقفة تصحيح وتجديد وفهم أشمل لأهداف هذا الخطاب الدعوي الجمالي . ولذلك يجب أن نستحضر في عملنا الفني تأدية مجموعة من الوظائف:
1 ـ وظيفة التبليغ :لتقف الفنون بشتى أشكالها جنبا إلى جنب مع باقي أساليب الدعوة، تحمل إلى الإنسان خبر التوحيد ونبأ الآخرة وحقيقة الحياة وقيمة الدنيا وقضية الأمة فـ " إن كان من المعقول أن يتدرج الأدب الإسلامي والفن والمسرح والشعر في جهاد تميزه عن الأدب الكاسح المادي، فاكتماله يرجى يوم يعبئ الطاقات الأدبية بشجاعة وصدق ليقف صفا متراصا خلف الكلمة القرآنية والبلاغ النبوي" , في هذا السياق لا نجد لمقولة "الفن من أجل الفن" مكانة في تصورنا، إذ لا تتماشى مع كون الفن وسيلة ليس إلا، أو قالبا جميلا نلبسه أفكارنا وتصوراتنا للإنسان والحياة والعلاقات والآخرة والكون عموما بصدق وشجاعة تزيل الحجاب عن كل القضايا المنسية والمسكوت عنها في عصر هوسه المادة ونمطه الاستبداد . وإن وظيفة التبليغ لا تعني تحويل النتاج الفني إلى مواعظ ودروس مباشرة فذاك مجال له رجالاته، و يبقى للقالب الفني تأثيره وجماليته وخصوصيته .
2 ـ وظيفة التربية :إذا كنا نعتبر أن أزمة أمتنا هي بالدرجة الأولى أزمة تربية بجميع أبعادها، وإذا كانت التربية هي محور مشروعنا المنهاجي، فلا فن يخدم مشروعنا إلا فن التربية، بمعنى أن يتناول الفن مسألة التربية من موقعه ومكانته وبمميزاته واختصاصاته. والفنون كانت منذ القدم ـ وما تزال ـ وسيلة للتعبير عن الرقي والتحضر والهدوء النفسي والاجتماعي والعمراني لذا " ينبغي أن يكون الأدب (و الفن ) الإسلامي وسيلة من وسائل التربية، كلمة لها مغزى، تحمل معنى، تبلغ رسالة، لا أداة تسلية وبضاعة استهلاك" .
الحملة المسعورة من النتاجات الفاضحة المثيرة تجعل مهمة التربية غير سهلة، إنها جهاد حقيقي "جهاد كلمة في جهاد تربية، مشاركة كلمة وفن وصنعة بلاغية متلطفة وقول بليغ قوي في مشروع تربية متكاملة تحقن منعة العافية في شرايين الأجيال
3 ـ وظيفة التدافع : التدافع سنة الله في خلقه، وحيثما وجد الحق وجد إلى جانبه الباطل وهما دائما في تدافع مستمر، والفن يعرف تدافعا قويا بين مظاهر الباطل المستقوي بالليبرالية الدولية وبين تجليات الحق المنشود الذي مازال يلتمس طريقه لأن "البديل الإسلامي في ميدان الفنون لابد منه" ، وعلينا خوض معركة التدافع بالخروج من الفضاء المصطنع إلى الفضاء الطبيعي الحقيقي حيث الصالح والطالح ، نمد أيدينا إلى الصالح تواصلا وتلاقحا نستقوي به على الطالح تدافعا وتسابقا لكسب أكبر فئة ممكنة من المتلقين . لا يستطيع أي إنتاج فني أداء الوظائف المنتظرة منه بدقة وتفان إن لم يتميز بخصائص ومميزات، ليست حدودا وحواجز تقف دون حرية الإبداع بقدر ما هي معالم للاستنارة والتحرر من قيود المادية القاتلة والانغلاق المميت.
...يتبع